السيد علي عاشور
132
موسوعة أهل البيت ( ع )
فكان جوابه أن قال : ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليّ الفناء أما علمتم يا جهلة أنّ النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت . وأما أبو ذر فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم ، أو نزل به ضيف لو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة يجزّ لهم الجزور أو الشاة على قدر ما يحتاجون من اللحم فيقسمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم ، ومن أزهد من هؤلاء وقد قال فيهم رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلّم ما قال ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتة ، كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم ويؤثرون على أنفسهم وعيالاتهم ، واعلموا أنّي سمعت أبي يروي عن آبائه عليهم السّلام أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلّم قال يوما : ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن إن قرض جسده في دار الدّنيا بالمقاريض كان خيرا له وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له ، وكلّ ما يصنع الله عزّ وجلّ به فهو خير له فليت شعري هل يحق فيكم ما قد شرحت لكم أم أزيدكم . أما علمتم أنّ الله عزّ وجلّ قد فرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من الكافرين ليس له أن يولّي وجهه عنهم ومن ولّاهم يومئذ دبره فقد تبوأ مقعده من النار ، ثمّ حوّلهم عن حالهم رحمة منه لهم فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من الله عزّ وجلّ للمؤمنين فنسخ الرجلان العشرة ، وأخبروني أيضا عن القضاة أجورة هم حيث يقضون على الرجل منكم نفقة امرأته إذا قال إنّي زاهد وإنّي لا شيء لي ، فإن قلتم جورة ضلّلكم أهل الإسلام ، وإن قلتم بل عدول خصمتم أنفسكم وحيث يردّون صدقه من تصدّق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث ، أخبروني لو كان الناس كلّهم زهادا كالذين تريدون لا حاجة لهم في متاع غيرهم فعلى م من كان يصدّق بكفّارات الإيمان والنذور والصدقات من فرض الزكاة من الذهب والفضّة والتمر والزبيب وسائر ما وجب فيه الزكاة من الإبل والبقر والغنم وغير ذلك ، إذا كان الأمر كما تقولون لا ينبغي لأحد أن يحبس شيئا من عرض الدّنيا إلّا قدّمه وإن كان به خصاصة ، فبئس ما ذهبتم فيه وحملتم الناس عليه من الجهل بكتاب الله عزّ وجلّ وسنّة نبيّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم وأحاديثه التي يصدّقها الكتاب المنزل وردّكم إيّاها بجهالتكم ، وترككم النظر في غرائب القرآن من التفسير بالتاريخ من المنسوخ والمحكم والمتشابه والأمر والنهي . وأخبروني أين أنتم عن سليمان بن داود عليهما السّلام حيث سأل الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه الله عزّ وجلّ وكان يقول الحق ويعمل به ثمّ لم نجد الله عزّ وجلّ عاب عليه ذلك ولا أحدا من المؤمنين ، وداود النبي قبله في ملكه وشدّة سلطانه ثمّ يوسف النبي عليه السّلام حيث قال لملك مصر : اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ « 1 » فكان من أمره الذي كان أن اختار مملكة الملك
--> ( 1 ) سورة يوسف : 55 .